ابن قيم الجوزية
61
الروح
مات حيي ، ومن غشي عليه أفاق ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته : « فأكون أول من يفيق ، فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى » ، فإنه حصل فيه تردد : هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور ، وهذه فضيلة عظيمة لموسى ، ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقا ، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليا ، انتهى . قال أبو عبد اللّه القرطبي : إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال ، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله ، فالمعنى : إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه ، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور . قلت : وحمل الحديث على هذا يصح ، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم تردد : هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور ؟ فالمعنى : لا أدري أصعق أم لم يصعق ، وقد قال في الحديث : « فأكون أول من يفيق » وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصعق فيمن يصعق ، وأن التردد حصل في موسى : هل يصعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق . ولو كان المراد به الصفة الأولى وهي صعقة الموت لكان صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جزم بموته ، وتردد هل مات موسى أم لم يمت ، وهذا باطل لوجوه كثيرة ، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت ، وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى ، نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى ، وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ ، وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية واللّه أعلم . ( فإن قيل ) : فكيف تصنعون بقوله في الحديث : « إن الناس يصعقون يوم القيامة ، فأكون أول من تنشق عنه الأرض ، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش » قيل : لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا ، ومنه نشأ الإشكال ، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث ، فركب بين اللفظين فجاء هذا والحديثان هكذا : .